كمال الدين دميري
206
حياة الحيوان الكبرى
ومعنى الآية أن بورك فيك يا موسى ، وفي الملائكة الذين حول النار ، وهذه تحية من اللَّه عز وجل لموسى عليه السلام ، وتكرمة له . كما حيا إبراهيم عليه السلام ، على ألسنة الملائكة ، حين دخلوا عليه ، فقالوا : رحمة اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ، فحمد نفسه تعالى بواسطة فعله . قلت : وكذلك إذا ذكر العبد ربه أو حمده فما ذكر اللَّه إلا اللَّه ، ولا حمد اللَّه إلا اللَّه ، لأنه تعالى ذكر نفسه وحمدها ، بواسطة فعله . والعبد آلة ليس له شيء . قال « 1 » تعالى : * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) * وقال تعالى : * ( وإِلَيْه يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ) * « 2 » ففعل العبد ينسب إلى اللَّه خلق وايجاد . قال تعالى : * ( والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * « 3 » وينسب إلى العبد نسبة كسب وإسناد ليعاقب عليه أو يثاب ، واللَّه تعالى أعلم . وقال بعضهم : هذه البركة راجعة إلى النار نفسها . وأما وجه قوله تعالى : * ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) * « 4 » فإن العرب تقول بارك اللَّه لك وبارك فيك وبارك عليك وباركك ، أربع لغات . قال الشاعر : فبوركت مولودا وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب وأما الكلام المسموع من الشجرة ، فاعلم أن مذهب أهل الحق ، أن اللَّه تعالى مستغن عن الحد والكلام والمكان والجهة والزمان ، لأن ذلك من أمارات الحدوث ، وهي خلقه وملكه ، وهو سبحانه أجل وأعظم من أن يوصف بالجهات ، أو يحد بالصفات ، أو تحصيه الأوقات ، أو تحويه الأماكن والأقطار ، ولما كان جل وعلا كذلك ، استحال أن توصف ذاته بأنها مختصة بجهة ، أو متنقلة من مكان إلى مكان ، أو حالة في مكان . روي أن موسى عليه السلام ، لما كلمه اللَّه تعالى ، سمع الكلام من سائر الجهات ، ولم يسمعه من جهة واحدة ، فعلم بذلك أنه كلام اللَّه تعالى . وإذا ثبت هذا لم يجز أن يوصف تعالى بأنه يحل موضعا أو ينزل مكانا ، كما لا يوصف بأنه جوهر ولا عرض ، ولا يوصف كلامه بحرف ولا صوت ، خلافا للحنابلة الحشوية ، بل هو صفة قائمة بذاته تعالى ، يوصف بها فينتفي عنه بها آفات الخرس والبكم ، وما لا يليق بجلاله وكماله ، ولا تقبل الانفصال والفراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق . وأما الإفهام والإسماع ، فيجوز أن يكون في موضع دون موضع ، ومكان دون مكان ، وحيث لم يقع إحاطة ولا إدراك بالوقوف على كنه ذاته ، قال تعالى : * ( لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * « 5 » وأما الهاء في قوله « 6 » تعالى : * ( يا مُوسى إِنَّه ) * فهو عماد وليس بكناية . فائدة أخرى : اختلف في أن نبينا محمدا صلى اللَّه عليه وسلم هل كلم ربه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا ؟ فذهب ابن عباس وابن مسعود وجعفر الصادق وأبو الحسن الأشعري وطائفة من المتكلمين إلى أنه صلى اللَّه عليه وسلم كلم اللَّه بغير واسطة ، وذهب جماعة إلى نفي ذلك . واختلف في جواز الرؤية ، فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة ، وأكثر أهل السنة والسلف على جوازها فيهما ،
--> « 1 » سورة آل عمران : آية 128 . « 2 » سورة هود : آية 123 . « 3 » سورة الصافات : آية 96 . « 4 » سورة النمل : آية 8 . « 5 » سورة الشورى : آية 11 . « 6 » سورة النمل : آية 9 .